فخر الدين الرازي
184
القضاء والقدر
وأن منصب الرسالة منزه عنه . والعجب من هؤلاء المحدثين : أنهم يقولون : فلان متهم بالرفض ، فلا تقبل روايته ، ولم يقل أحد منهم : فلان مصرح بالتشبيه ، فكان جاهلا بربه ، فوجب أن لا تقبل روايته ، لأن الطعن في أبو بكر وعمر ، لا يزيد على الطعن في ذات اللّه تعالى ، وفي صفاته . فثبت بمجموع هذه الوجوه : أن أخبار الآحاد ضعيفة لا تفيد إلا الظن . وإذا ثبت هذا فلنرجع إلى مطلوبنا من هذا الكتاب . فنقول : مسألة القضاء والقدر ، مسألة قطعية يقينية ، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن . والتمسك بالحجة الظنية في المسألة القطعية لا يجوز . هذا تقرير هذا السؤال . والجواب من وجهين : الأول : هب أن كل واحد من هذه الأخبار غير معلوم الصحة ، إلا أن مجموعها ، ربما بلغ مبلغ القطع واليقين . وبهذا الطريق تمسكنا بالمعجزات المروية بالآحاد . إلا أن هذا الطريق ينتقض بأخبار التشبيه . للمشبهة أن يقولوا : إن مجموعها بلغت مبلغ التواتر . فإن منعناهم عن ذلك ، كان لخصومنا في هذه المسألة أن يمنعونا عنه أيضا . الثاني : نسلم أنها لا تفيد إلا الظن . ونكتفي منها بالظن . بل فيه فائدة أخرى . وهي : إن الدلائل العقلية إذا دلت على صحة قولنا ، ثم رأينا أن ظواهر القرآن والأخبار تؤكد تلك العقليات ، قوي اليقين وزالت الشبهات . وباللّه التوفيق « 1 » .
--> ( 1 ) تعليق على كلام الرازي رحمه اللّه في حديث الآحاد وإفادته الظن : أ - قول الرازي : اتفق الأصوليون على أنه لا يجوز « غير صحيح . فقد اختلف في ذلك على أقوال : 1 - من قال بأنه لا يفيد العلم - أو القطع - مطلقا . وإليه ذهب أكثر أهل العلم وجملة الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والمعتزلة والخوارج . وقال الغزالي في المستصفى « خبر الواحد لا يفيد العلم وهو معلوم بالضرورة » ( 1 / 145 ) . 2 - من قال بأنه يفيد العلم ولكن بقرينة . واختاره الآمدي في الأحكام ( 2 / 48 ) وابن الحاجب في المنتهى ( ص 71 ) وابن السبكي ( حاشية البناني 2 / 130 ) . والنظام . 3 - من قال من أهل الحديث بأن الحديث الذي حكم أهل الصنعة من المحدثين بصحته يوجب علم اليقين ضرورة . 4 - من قال إلى أنه يقتضي العلم الظاهر بمعنى الظن . 5 - ومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة وهذا مطرد في كل واحد . كبعض أهل الظاهر وهو مذهب أحمد في إحدى الروايتين كما نقل ذلك الآمدي . ونقل هذا المذهب ابن حزم في كتابه « الإحكام » عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي ثم قال : وبه نقول . وحكي ذلك عن أحمد وإن كانت قد اضطربت الرواية عنه في ذلك » وقال ابن قدامة في « روضة الناظر » : اختلفت الرواية عن أمامنا رحمه اللّه في حصول العلم بخبر الواحد فروي أنه لا يحصل به وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا . وروي عن أحمد أنه قال في أخبار الرؤية وما أشبهها مما كثرت رواته وتلقته الأمة بالقبول ودلت القرائن على صدق ناقله . فيكون إذن من المتواتر . ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدا للعلم . وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر وحكاه ابن خويزمنداد عن الإمام -